الباحث السياسي الدكتور بلال اللقيس
رأي
العرب والعروبة… في الحضور والغياب
د. بلال اللقيس
هم العرب، لا تراهم يتغيرون، أو ربما يصعب تلمّس تغيرهم مقارنة بغيرهم من الأمم والشعوب.
قبل الإسلام لم يبنوا حضارة، ولم يبنوها من بعد، رغم ما شُيّد على أرضهم من الأبراج وما توفر لهم من حظ، لا سيما في شبه الجزيرة.
كان داؤهم منذ القدم تفرّق كلمتهم، وعقدة التزعم، وإطفاء نور أي شمعة تضيء فيهم، كأنهم كرهوا أن يسطع في سمائهم نجم مضيء.
كان محمد (ص) يُنادى بينهم بالصادق الأمين قبل البعثة، وعندما توجه إليهم لإصلاح أوضاعهم والارتقاء بهم، بدل الخضوع للخرافة والأوثان والثأر ووأد الأنثى والعصبية، والانتقال إلى نور العلم والعقل والوحي والحضارة، خافوه، فأصبح عدوهم الأول، واتهموه بأنه سبب صراعاتهم وحروبهم وتفرقهم، وقالوا فيه ساحر ومجنون، ولم يتركوا طريقة للتخلص منه إلا وحاولوها.
وذهبوا بعيداً إلى حد وضع يدهم بيد اليهود لوأد مشروع محمد النبي ودعوته، وهو ابن عمهم وأقرب الأقربين إليهم. وهكذا استمروا، إلا في فترات قصيرة من مسيرهم التاريخي.
قال لهم علي (ع): «سلوني قبل أن تفقدوني»، فسألوه إذا كان يقدر أن يحصي عدد شعر رأس أحدهم، ثم سبّوه ولعنوه لعقود على منابرهم، ومضوا على طريقتهم هذه، فقتلوا أئمة الإيمان من أهل البيت (ع) كي لا يُبقوا منهم باقية.
وكذلك فعلوا مع الفقهاء الأربعة، حيث عُذّب بعضهم لفتوى أو لموقف فكري، وقُتل بعضهم.
وعندما وجدوا أن الدين صار واقعاً، وسقط من يدهم إمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، صنعوا خطاب «الإسلام العربي» ليضيّقوا دين الله ويستأثروا به في مقابل الأجانب، فخلطوا، لغاية في أنفسهم، بين الدين والقومية.
واليوم عادوا كحالهم وهيئتهم التي كانوا عليها يوم بعث الله فيهم رسوله محمد (ص)، وكحالهم بعد تجربة الخلفاء الأربعة.
عادوا إلى بني أمية، فضيّعوا الجوهر وتناحروا على المُلك، ولاذ كل منهم بالغرب ليستقوي على ابن عمه، أو ليكسب عزاً يتظاهر به على أقرانه. والعز اليوم، بالنسبة إليهم، هو ترامب وماكرون وغيرهما.
في تاريخهم الحديث، قضوا على حسن البنا لطرحه وفكره المتقدم، ومن بعده على جمال عبد الناصر، بدل أن يناصروا حلمه بنهضة ويرشدوا طرحه، فقتلوه نفسياً قبل أن يُهزم عسكرياً من إسرائيل.
وتصدوا بشراسة لا مثيل لها لـ«الخطر» الإيراني، فحولوه إلى هاجسهم لعقود وعدوهم، وبذلوا في سبيل ذلك جهداً ومالاً ووقتاً واستراتيجيات وأحلافاً، وأنشأوا منظمات.
وهكذا استمروا، إذ لم يتحملوا قامة عربية بحجم الإمام موسى الصدر وطرحه، فأخفوه ليطفئوا شمعته، ولم يسمحوا لقامة كمفكر وفيلسوف عالمي كالسيد محمد باقر الصدر أن يكمل مساره، فقتلوه أيضاً.
ومؤخراً، كان من قادتهم التاريخيين وشموعهم المنيرة السيد حسن نصر الله، لكنهم رفضوا أن يلبسوا رداء العز لأنه منه وهو حاكه، فتآزروا مع اليهود الصهاينة لطي صفحته.
يخطئ من يظن أن مشكلة العرب هي إسرائيل، بل هي من عوارض مرضهم.
في الحقيقة، ربما تكون إسرائيل، بل حتماً هي، يومهم التاريخي والوحيد لاستعادة حضورهم ودورهم. إنها عذاب يستحثهم ليعوا ويعودوا، فيخرجوا من جهلهم وتخلفهم وضغائنهم، ويعودوا إلى إسلامهم المحمدي، إسلام الخلفاء الأوائل الذين، رغم تبايناتهم وتمايزاتهم، حفظوا الأمة ووحدتها في وجه أعدائها، وقدموا مصلحة المسلمين وصبروا من أجل وحدة الكلمة ومستقبل الدين.
وقتئذ لم يستطع أحد أن يقف أمام أمة الإسلام ويتحداها، فدخل المسلمون فلسطين فاتحين وأسقطوا هيمنة وهيبة الفرنجة.
وآخر ما آلمنا ما سمعناه من الرئيس السوري أحمد الشرع، في معرض عرضه لأسباب رفع إدارة ترامب سوريا عن قائمة دول الإرهاب، حيث برر ذلك بأننا انتهينا من «الزمن البائد»، ضارباً بعرض الحائط ما فيه من إيجابيات، ومتنكراً للشعب وما أنجزه من مفاخر.
فهل حرب 1973 كانت لرجل اسمه حافظ الأسد فقط، أم هي للشعب السوري كله وللأمة؟
وهل عدم رضوخ سوريا زمن الأسد لأميركا وإسرائيل، وبقاؤها في موقع المقاومة والممانعة، كان أمراً سلبياً حتى يتم التنكر لكل الماضي؟
إنه لأمر مؤسف أننا، كعرب، لا نزال عاجزين عن أن نُعشّب تاريخنا ونميز فيه بين السيئ والحسن ونستفيد منه، لأن التاريخ ليس صناعة ملك ولا حاكم، بل صناعة شعب أولاً، بغثه وسمينه، ولا يمكن أن يكون قطيعة تامة مع من سبق.
مشكلة العرب كانت ولا تزال في ابتعادهم عن رسالتهم وارتدادهم إلى جاهلية استبدلوا فيها اللات والعزى بترامب وأمثاله.
مشكلتهم تفضيل الرواية على الدراية.
إسرائيل هذه فرصة لاجتماعكم بمقدار ما هي تهديد لكم، فالذي لا يجتمع على التهديد، فعلى ماذا يجتمع؟
ورغم هذه الصورة السوداوية، يبقى بصيص أمل حقيقي قائماً ويقوى في عالم العروبة، ويزداد تأثيراً وتوهجاً، ولم يخْبُ نوره بعد.
هو ذاك الخيط العربي الجامع الذي يبذل لخدمة الأمة، بدءاً من إيران ووليها العربي وفقيهها الذي أطاح بشاه فارس لصالح الإسلام المحمدي، واستمر يقارع الظلم ويهدم أصنام الظلم والشرك دون توقف أو هوادة، مثله في ذلك كإبراهيم الخليل (ع).
ومعه بقية باقية من شعوب وقوى وحركات عربية تنهى عن الفساد والمنكر، وعن التبعية للظالم الأميركي المستكبر والصهيوني.
ويستمر نورها يسطع من لبنان وغزة واليمن والعراق، رغم محاولات الإطفاء، ومنهم إلى كل البقاع العربية.
فبقية السيف والإخلاص أبقى وأكثر، «فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض».
فهؤلاء لا يزالون الأمل الذي يحرك الأمة وتشعر معهم بكرامتها وهويتها، ويستمر الرهان عليهم في أن تستعيد الأمة دينها وهويتها وكلمتها رغم الصعوبات.
كاتب لبناني
رأي اليوم